المقريزي

56

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

كلّ صف يمرّ من صوب شماله كالسيل إذا اندفع ، وعلّل هذا الذي أفادني ، أنّ القلب من يسار كل أحد ، والناس تميل إلى جهة قلوبهم ، فلذلك صار مشيهم من صوب شمائلهم ، وكذا صح لي مع طول الاعتياد . ولما حدثت هذه المحن بعد سنة ست وثمانين وثمانمائة ، تلاشى أمر بين القصرين ، وذهب ما هناك ، وما أخوفني أن يكون أمر القاهرة كما قيل : هذه بلدة قضى اللّه يا صا * ح عليها كما ترى بالخراب فقف العيس وقفة وابك من كا * ن بها من شيوخها والشباب واعتبر إن دخلت يوما إليها * فهي كانت منازل الأحباب خط الخشيبة : هذا الخط يتوصل إليه من وسط سوق باب الزهومة ، ويسلك فيه إلى الحارة العدوية « 1 » حيث فندق الرخام برحبة بيبرس ، وإلى درب شمس الدولة ، وقيل له خط الخشيبة ، من أجل أنّ الخليفة الظافر لما قتله نصر بن عباس وبنى على مكانه الذي دفنه فيه المسجد الذي يعرف اليوم بمسجد الخلعيين ، ويعرف أيضا بمسجد الخلفاء ، نصبت هناك خشبة حتى لا يمرّ أحد من هذا الموضع راكبا ، فعرف بخشيبة تصغير خشبة ، وما زالت هناك حتى زالت الدولة الفاطمية ، وقام السلطان صلاح الدين بسلطنة مصر ، فأزال الخشيبة ، وعرف هذا الخط بها إلى اليوم ، ويقال له خط حمام خشيبة ، من أجل الحمام التي هناك . ولمقتل الظافر خبر يحسن ذكره هنا . ذكر مقتل الخليفة الظافر وكان من خبر الظافر أنه لما مات الخليفة الحافظ لدين اللّه أبو الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم محمد بن المستنصر ، في ليلة الخميس ، لخمس خلون من جمادى الآخرة ، سنة أربع وأربعين وخمسمائة ، بويع ابنه أبو المنصور إسماعيل ، ولقب بالظافر بأمر اللّه ، بوصية من أبيه له بالخلافة ، وقام بتدبير الوزارة الأمير نجم الدين سليمان بن محمد بن مصال ، فلم يرض الأمير المظفر عليّ بن السلار والي الإسكندرية والبحيرة يومئذ بوزارة ابن مصال ، وحشد وسار إلى القاهرة ، ففرّ ابن مصال ، واستقرّ ابن السلار في الوزارة ، وتلقّب بالعادل ، فجهز العساكر لمحاربة ابن مصال ، فحاربته وقتل ، فقوي واستوحش منه الظافر ، وخاف منه ابن السلار واحترز منه على نفسه ، وجعل له رجالا يمشون في ركابه بالزرد والخود ، وعددهم ستمائة رجل بالنوبة ، ونقل جلوس الظافر من القاعة إلى الإيوان في البراح والسعة ، حتى إذا دخل للخدمة يكون أصحاب الزرد معه ، ثم تأكدت النفرة بينهما فقبض على صبيان الخاص وقتل أكثرهم ، وفرّق باقيهم ، وكانوا خمسمائة رجل ، وما زال الأمر على ذلك إلى أن قتله ربيبه عباس بن تميم ، بيد ولده نصر ،

--> ( 1 ) في النجوم الزاهرة 4 / 55 : العدوية هي من أول باب الخشيبة إلى أوّل حارة زويلة .